مجد الدين ابن الأثير

330

المختار من مناقب الأخيار

كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدّنيا ؟ وانقطعت عن روح ملكوت السماوات ؟ ثم ولّى صارخا ، وهو يقول : وا غمّاه من فتنة العلماء ، واكرباه من حيرة الأدلّاء . وجال جولة ، ثم قال : أين الأبرار من العبّاد ؟ بل أين الأخيار من الزّهّاد ؟ ثم بكى وقال : شغلهم - واللّه - ذكر طول الوقوف ، وهمّ الجواب عن ذكر الجنة والنار ، وذكر الثواب . ثم قال : أستغفر « 1 » اللّه تعالى من شهوة الكلام ، تنحّوا عنّي . فخلّيناه يبكي ، وقد ملئنا منه همّا وغمّا « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال محمد بن السمّاك : خرجت من العراق أريد بعض الثّغور ، فبينا أنا أسير في جبل اللّكّام ، إذ نظرت إلى عابد على رأس جبل ، قد انفرد من المخلوقين ، واستأنس بربّ العالمين ، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام ، ثم قال : من أين أقبلت ؟ قلت : من العراق أريد بعض الثّغور . فقال : إلى أمر ترقبونه « 3 » أو إلى أمر لا ترقبونه « 4 » . قلت : بل إلى أمر لا نرقبه . ثم قال : آه . قلت : ممّ تأوّه العابد ؟ قال : ذكرت عيش المستريحين ، وفرحة قلوب الواصلين . فقلت له : إنّي رجل مهموم . قال : وفيم همّك ؟ قلت : في ثلاثة . قال : وما هنّ ؟ قلت : ما دليل الخوف ؟ قال : الحزن . قلت : فما دليل الشّوق ؟ قال : الطلب . قلت : فما دليل الرّجاء ؟ قال : العمل . قلت : فمن أين ضعفنا ؟ قال : لأنّكم وثقتم بعفو اللّه عنكم ، ولو عاجلكم بالعقوبة لهربتم

--> ( 1 ) في ( ب ) : « أنا أستغفر » . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 359 . ( 3 ) في ( ب ) : « ترتقبونه » . ( 4 ) في ( ب ) : « ترتقبونه » .